الغزالي
131
إحياء علوم الدين
وأن يجيد المضغ ، وأن لا يوالي بين اللقم ، ولا يلطخ يده ولا ثوبه ، وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات ، حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما ، ويقبح عنده كثرة الأكل ، بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم ، وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ، ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل ، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام ، وقلة المبالاة به ، والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ، ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين ، وأن الرجال يستنكفون منه ، ويكرر ذلك عليه . ومهما رأى على صبي ثوبا من إبريسم أو ملون ، فينبغي أن يستنكره ويذمه . ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ، ولبس الثياب الفاخرة ، وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه ، خرج في الأغلب رديء الأخلاق ، كذابا ، حسودا سروقا ، نماما ، لحوحا ، ذا فضول وضحك ، وكياد ومجانة . وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم يشغل في المكتب ، فيتعلم القرءان ، وأحاديث الأخبار ، وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع ، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل ، وفعل محمود ، فينبغي أن يكرم عليه ، ويجازى عليه بما يفرح به ، ويمدح بين أظهر الناس . فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة ، فينبغي أن يتغافل عنه ، ولا يهتك ستره ، ولا يكاشفه ، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ، ولا سيما إذا ستره الصبي ، واجتهد في إخفائه . فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة ، حتى لا يبالي بالمكاشفة . فعند ذلك إن عاد ثانيا ، فينبغي أن يعاتب سرا ، ويعظم الأمر فيه ، ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا ، وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس . ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين ، فإنه يهون عليه سماع الملامة ، وركوب القبائح ، ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه ، فلا يوبخه إلا أحيانا ، والأم تخوفه